مؤسسة الرسالة التربوية فرع المجرالكبير


    الفرق بين الغرب والعرب

    شاطر

    حكيم ابو نور

    عدد المساهمات : 5
    تاريخ التسجيل : 24/10/2011

    الفرق بين الغرب والعرب

    مُساهمة  حكيم ابو نور في الأربعاء أكتوبر 26, 2011 3:47 am


    مقال رائع للدكتــور

    عبدالله بن حمد العويشق

    عندما كُنَّا في البعثة ودخلنا معهداً لدراسة اللغة الإنجليزية، وقف المدرس ذو الخبرة الطويلة، كما يبدو من عمره الذي قارب الستين، وطلب كتابة موضوع إنشائي، واقترح أن (يتصور) كُلُّ واحدٍ منَّا أنه يعيش في قرية صغيرة نائية في بلده، وأن هذه القرية تنقصها الكهرباء، وعليه أن يكتب خطاباً للمسئول في بلدية قريته، يطلب فيه توفير هذه الخدمة على أن يحضر كل طالب الخطاب ويقرأه في الفصل غداً.

    كان الفصل أشبه بأمم متحدة فالطلاب من آسيا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، فهم قادمون من اليابان والصين وماليزيا وإيران، ومن بريطانيا واسبانيا ومن نيجيريا وتشاد والنيجر ومن البرازيل والأرجنتين ومن دول شرق أوروبا ومن ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، بالإضافة إلينا نحن العرب سواء من مشرق العالم العربي أو مغربه.

    في اليوم التالي أحضر كل طالب الخطاب الذي أعده، وقرأه على زملائه، وصحح المدرس أخطاءه ولكننا لاحظنا شيئاً غريباً، فعندما قرأ أول طالب عربي خطابه ابتسم المدرس، وأخذت ابتسامته تزداد كلما قرأ طالب عربي آخر، وبدأ الطلبة الآخرون ينظرون إلينا نظرات غريبة؛ فظننا أن الابتسامة كانت إعجاباً بمستوى لغتنا الإنجليزية، ولكن سرعان ما أفقنا من نشوة الغرور هذه، عندما أدركنا أن أخطاءنا لم تكن أقل من أخطاء زملائنا من الجنسيات الأخرى.

    فعدنا نقارن بين خطاباتنا وخطابات زملائنا الآخرين، فتجلى الفارق الكبير بينها، كانت خطابات الطلبة العرب كلها - دون استثناء - تسوليه، تبدأ بالثناء على المسئول وجهوده القيمة.. ثم تتوسل إليه - ونتوسل - بأن يتكرم بالتوجيه لإجراء اللازم لتوفير هذه الخدمة تفضلاً منه وإحساناً، ثم بختم الخطاب بمثل ما بدأ به ثناءً وشكراً.

    أما خطابات زملائنا من الجنسيات الأخرى فتختلف جذرياً، فيبدأ الخطاب بإشعار المسئول بمسؤوليته المباشرة، وتقصيره في عدم توفير هذه الخدمة، وأن من واجبه تصحيح الأمر في أقرب وقت. ويختم الخطاب بأن أي تباطؤ في تحقيق الخدمة سيؤدي إلى رفع الأمر إلى المسئول الأعلى منه، بل بعض الطلاب ذكر أنه سيرسل نسخة من خطابه إلى المرجع المباشر للمسئول.

    ولعل تلك النزعة التسولية لدينا نابعة من فقدان إحساس المسئول بواجباته، وعدم محاسبته على التقصير في أدائها، فالمسئول الذي أعلى منه لا يختلف عنه، وفاقد الشيء لا يعطيه. وإذا أردت تخليص أي معاملة لك فعليك أن تتوسل الموظف، فأنت تحت رحمته، فبإمكانه أن يقف حجر عثرة في طريقك بحسب هواه.

    وهذه النزعة التسولية متجذرة في مجتمعنا العربي، وإن كانت متفاوتة فيه، فبعضها عميقة الجذور، وبعضها سطحية، مع أن ذلك ينافي قيمنا الإسلامية وشيمنا العربية، وهي نبتة خبيثة، ينبغي اجتثاثها من فوق الأرض فما لها من قرار.

    وتختلف درجة التسول باختلاف السلم الوظيفي للمسئول، فإذا كنت تحتاج إلى توسلات بسيطة ومحدودة لموظف صغير ليؤدي عملاً من واجبه أن يؤديه، فإنك تحتاج إلى سلسلة من العبارات التسولية، وخطبة تمهيدية مليئة بالتوسلات كلما عظم شأن المسئول، وقد روى لي أحد الزملاء نموذجاً لهذه، مما جعلها تتفوق على عبارات المتسولين في المساجد.

    وإذا كانت هناك إدارة خاصة لمكافحة متسولي المساجد وأشباههم، فنحن أحوج إلى مكافحة النزعة التسولية المستشرية في إداراتنا ووزاراتنا، فأغلبنا متسول أو متسول عنه، أو هما معاً. ولو وضع مقياس لنجاح أي إدارة هو قضاؤها على هذه النزعة التسولية لكان ذلك قمة النجاح؛ لأن معناه أن كل موظف فيها قد قام بواجبه وأدى ما عليه، وهذا هو الغرض من وجود تلك الإدارة.

    **********


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 4:29 am