مؤسسة الرسالة التربوية فرع المجرالكبير


    الشاعر الملحمي عبد المنعم الفرطوسي

    شاطر
    avatar
    ابوليث
    المشرف العام والمنتدى الحسيني

    عدد المساهمات : 32
    تاريخ التسجيل : 03/10/2010
    العمر : 41
    الموقع : ميسان/المجر الكبير

    الشاعر الملحمي عبد المنعم الفرطوسي

    مُساهمة  ابوليث في الثلاثاء أكتوبر 26, 2010 1:25 am

    الشاعر الملحمي عبد المنعم الفرطوسي
    ( بين إسطورة المكان وتداعيات الحلم في المقدس والسيرة والتمرد)

    الدكتور سلمان شمسه


    ترددت كثيرأ قبل أن أمسك القلم لأكتب عرضأ وأبدي رأيأ بكتاب جميل ُكتب بقلم رقيق، رشيق وعارف بمداخل ومخارج حرفة الكتابة وفنونها. فللمؤلف الدكتور صلاح الفرطوسي مؤلفات وكتب كثيرة جاءت نتاجأ لرحلة دامت أكثر من ثلاثين عامأ في مجالي التأليف و التدريس في أماكن وجامعات عديدة ومتنوعة. فمن جامعة بغداد إلى جامعة فاس في المغرب، إلى جامعة صنعاء في اليمن وبعدها إلى جامعة السابع من أبريل في الزاوية بليبيا ثم إلى جامعة سراييفو بالبوسنة التي اهتمت بطبع الكتاب الذي بين أيدينا . وأخيرأ حط ركاب أستاذنا العزيز الدكتور صلاح الفرطوسي في جامعة روتردام الإسلامية في هولندا، وهو الآن رئيس لقسم اللغة العربية في هذه الجامعة الناشئة ، لكنها الهامة لأنها الأولى في هذا البلد الأوربي الذي يمتلك علاقات شتى مع العالمين الإسلامي والعربي.

    أعادني الكتاب إلى أكثر من أربعين عامأ إلى الوراء حينما كنا نتوقف عن اللعب في شارع الطوسي عندما كان يمر به الشاعر عبد المنعم الفرطوسي (رحمه الله) من بيته الواقع على طرف مقبرة النجف الكبرى متوجهأ إلى مرقد الإمام علي بن أبي طالب(ع) للصلاة. كنا حينها صبيانأ نلعب في شارعنا ولا يوقفنا عن اللعب سوى مرور ذلك الشاعر هادئ الخطوة رصينها. ولم يكن ذلك أمرأ معتادأ لأننا لم نكن نتوقف عن اللعب لأي سبب ، إلا أن حضوره وسمعته التي كنا نتشربها من آبائنا كشاعر عملاق في سماء النجف مدينة الشعراء والأدباء والفقهاء كانت تفرض علينا لا إراديأ التوقف عن اللعب عند مروره إحترامأ وإكرامأ لشاعر ٍ سوف يكون مفخرة ً لنا في مُقبل الأيام.

    في تمهيده للكتاب يذكر المؤلف باختصار الأسباب التي دعته للكتابة في سيرة عمه ( الشاعر عبد المنعم الفرطوسي) ومنها الصلة الخاصة التي تربط بين الإثنين والتأثير الكبير للعم على ابن أخيه وسيرته التي تدعو إلى الإعجاب ، ومواقفه الصلبة من الظلم والإستبداد في الوطن العربي ، وأثره في شعراء مدينته ، وأخيرأ قصيدته " ملحمة أهل البيت " أطول قصائد الشعر العربي.

    لقد نشأ وترعرع الشاعر الفرطوسي في مدينة النجف الأشرف، التي تبعد فرسخين عن أحدى أهم عواصم الحضارة الإسلامية والتي تأسست في العقد الرابع من القرن الثاني للهجرة وهي الكوفة. وقد أحب الشاعر مدينته لما تملكه من ُبعد تاريخي عميق وزاخر وحاضر مشرق وعميق، مهما حاول أعداء هذه المدينة من إخفائه أو التقليل من شأنه. يحوي الكتاب نبذة ً مركزة ً عن تاريخ عائلة آل الفرطوسي المشرف وأصلها الذي يعود إلى آل غزي ومساهمة البعض من أبنائها بالتأليف والمساهمة في ثورة النجف التي وقفت شامخة ً بوجه الإستعمار البريطاني للعراق، كما يحوي أيضأ سيرة سريعة عن تاريخ النجف المشرف قديمأ وحاضرأ وخصوصأ دورها ودور علمائها في الوقوف بوجه الأستعمار البريطاني مسميأ إياها بالمدينة الثائرة بالتخطيط والتمهيد المباشرين لإطلاق شرارة ثورة العشرين، التي عمت فيما بعد العراق كله. ويصف الدكتور الفرطوسي مدينته بشئ من الحب والنرجسية التي تستحقها حقأ مدينة النجف الأشرف . فيرى مدينته متميزة وغريبة وذكية وثورية ليس حاضرأ فقط، بل منذ أن نشأت المدينة بدفن الإمام علي بن أبي طالب(ع) فيها بعد وفاته، فأخذ ذلك المكان الشهرة شيئأ فشيئأ رغم وقوعه على حافة الصحراء ليصبح بعد ذلك من أهم المراكز الصناعية ، حيث اشتهرت ببعض الصناعات الميكانيكية والجلدية التي نالت شهرة كبيرة بها. أما الإنتفاضات التي شهدها العراق بتاريخه الحديث خلال القرن العشرين فإن أغلبها قد حدثت بتأثير مباشر من هذه المدينة وانطلقت شرارتها الأولى غالبأ من هذه المدينة. ولعل خير مثال على ذلك " ثورة النجف" التي سبقت ثورة العشرين التي كانت بزعامتها أيضأ.

    أما تواجد الشعر والشعراء في مدينة النجف فإنه يصل لحد الإعجوبة حسب الدكتور علي جواد الظاهر من كثرة استعماله وانتشاره في هذه المدينة سواء بالأفراح أو الأحزان والأهم في مآتم الحسين بن علي (ع).إن الشعر في النجف حياة... وهو لدى أبنائها لا أسهل منه أو أيسر أو أنه فيها كالماء والهواء استسهالأ، واستعظامأ، جدأ وهزلأ " مقدمة ديوان الجواهري" ( ص. الفرطوسي، ص31) أما الحوزة العلمية الموجودة في النجف منذ نزل إليها الشيخ الطوسي قبل حوالي خمس قرون فإنها أضافت للمدينة مكانة علمية وتاريخية متفردة، لأن هذه المدينة بقيت مستقلة تمامأ عن الدولة في تصرفاتها المالية ، بل أن رجل الدين فيها أو العالم أو المجتهد الذي تشم منه رائحة ولاء للسلطة أو تعاون معها أو إرشاده بها يسقط اجتماعيأ ، وهو غالبأ ما يكون عينأ رقيبة تخشاها السلطة، وتحسب حسابها وتتودد إليها.



    ترتبط ثقافة الشاعر الفرطوسي وتعود إلى حفظه القرآن بوقت مبكر ثم إلى دراسته المنهجية في الحوزة العلمية بالنجف، حيث درس "المقدمات" ثم "السطوح" ثم " بحث الخارج" وهو أعلى مراحل التدريس في جامعة النجف الدينية ويختص بعلمي الفقه والأصول. إلا أن شاعرنا اختص بعلم الأصول تحديدأ وكان أستاذه العالم الديني وحجة الله أبو القاسم الخوئي( رحمه الله) مؤلف كتاب ( معجم رجال الحديث) الذي يتكون من 32 جزءأ ويعد أعظم دراسة في نقد رجال الحديث ودراسة صحة نسبته للرسول (ص) . وقد ألف شاعرنا نتيجة ً لدراسته تلك ثمانية مؤلفات بين شرح ورسالة وأرجوزة شعرية ما زالت للأسف الشديد لم تُطبع بعد.

    لقد تأثر الشاعر الفرطوسي منذ بداية حياته بالريف والفقر، الذي كان واضحأ فيه وبصورة مأساوية لأن الفلاح الذي كان يشتغل طيلة أيام السنة دون استراحة عايشه الفرطوسي لسنين عديدة ومن القرب . إلا أن وضعه وفقره لم يكن يتحسن رغم شغله وجهوده التي يبذلها . وهذه الحالة وغيرها أثارت عند الشاعر منذ البداية التعاطف والألم الكبيرين مع الفلاحين، وانطبعت صور الريف المحزنة والفقيرة في ذاكرته وحزت في قلبه الرقيق وحفزته منذ البداية على نظم قصائد له معبرة وصادقة لتلك الأوضاع ، مثلأ في قصيدة نظمها عام 1941 بعنوان " بواعث الشجون". أما قصيدته"إبن القرية " التي نظمها عام 1944 فكانت رائعة كما القصيدة السابقة ، لكنها تختلف بكونها دعوة للثورة وتحفيزأ عليها وتمردأ على ذلك الوضع المزري الذي كان يعانيه الفلاحون، الذين كانوا لا يحصدون من نتاج أيديهم إلا الجوع والفقر والحرمان .

    قبل تحسس معاناة الريف العراقي بدأ وعي الشاعر ينمو ويتسع وشعر أيضأ بثورة على بعض التقاليد الإجتماعية السقيمة التي كانت سائدة آنذاك مثل حرمان النساء من التعلم . وقد نظم قصيدة بعنوان" التقاليد" سنة 1935 دعا فيها إلى ضرورة شيوع التعليم بين الجنسين واعتبره فرضأ وواجبأ مرتئيأ أنه بدون تعليم الجنسين لا يستطيع الشعب أن يرقى ويتقدم . ويحتوي الكتاب مقطعأ من قصيدة " التقاليد" معبرأ ورائعأ بالذات إذا انتبهنا إلى سنة نظمها(عام 1935)، التي كانت فيها النساء حينذاك لا يعرفن بصورة عامة القراءة والكتابة. ولا ننسى في أجواء النجف حينذاك بأن النساء كن يحفظن القرآن في أحسن الأحوال ويتعلمن قرائته عن ما يُسمى "الملة"، لكنهن لا يعرفن الكتابة .



    أفيقوا يا بني وطني عُجالأ فما يجدي الرقاد النائمينا

    وهبوا فيه للإصلاح كيما نراكم للتمدن ناهضينا

    أليس ثقافة الجنسين فرضأ تقوم به الرجال المصلحونا

    وفي نور المعارف خيرهادٍ طريق يقتفيه السالكونا



    أي أن الفرطوسي هو أحد الأوائل من الذين دعوا لتعليم المرأة والإهتمام بتثقيفها للإرتقاء بالشعب كله من خلال الإهتمام بها ورفع مستواها، الذي كان متدنيأ لأسباب عديدة لا مجال لذكرهأ.

    إن أبيات الشعر أعلاه تدلل ليس فقط على شاعرية الفرطوسي وإنما شجاعته في ذلك الوقت من أجل المناداة بضرورة تعلم المرأة. هنا لا بد لنا أن نتذكر دعوة الفرطوسي لتعليم المرأة قد سبقت دعوة جميل صدقي الزهاوي ، ولكن دراسته وعفته ومحيطه لم تسمح له بالدعوة للسفور، لأن البيئة التي ترعرع بها الفرطوسي وأخلاقه لم تسمح له بتجاوز التقاليد ، بل أنه طرق المسألة الأهم وهي ضرورة التعلم والقراءة لأن ذلك هو الذي يحرر المرأة ويفيدها أكثر من السفور.



    شهادات شخصية عن الشاعر الفرطوسي

    تشير بعض الشهادات التي ُكتبت وُ ثبت بحق شاعرنا الفرطوسي أنه كان نقيأ وزاهدأ ومتواضعأ لدرجة ميزته عن الكثيرين من أربابه وأصدقائه.

    يقول عن الشاعر في مجلة الموسم 1/ 740-741 بمقالة تحت عنوان ( الفاضل الذي يعترف الجميع بعلمه):

    " لقد تعرفت إلى العلامة الشاعر الشيخ الفرطوسي منذ أكثر من أربعين سنة عندما كنا إلى جواره في النجف الأشرف- العراق، وكان آنذاك في وعي المجتمع النجفي ، في الحوزة العلمية، الفاضل الذي يعترف الجميع بعلمه ولا سيما في علوم العربية التي كان مدرسها البارز الذي يتهافت إليه طلاب هناك ليستفيدوا من إحاطته الشاملة، ومن إسلوبه الأدبي المشرق.

    وكان في المجتمع الأدبي الشاعر المبدع ، الذي تهتز المنابر لموقفه وتنطلق الحناجر بالإستحسان والإستعادة في المحافل لروعة شعره، الذي كان يتميز بالإبداع في اللفتة واللمحة والكلمة، والعمق والوضوح... وكان إلقاؤه المميز يدفع بالجماهير إلى تفهم معنى شعره من خلال نبرات صوته، ونبضات صوته، ونبضات ملامحه، وتعابير وجهه. وبذلك كانت هناك علاقة حب وتفاعل بينه وبين جمهوره، وكان إلى جانب ذلك الإنسان التقي الذي يعيش التقوى في كل مواقع حياته، وفي كل دوائر علاقاته... وفي حسن العبادة وخشوعها وابتهالها.

    وكان صاحب الخلق الرفيع في ابتسامته المشرقة، وفي احتضانه الشعوري للناس الذين يلتقيهم، وفي إقباله على محدثيه.. وفي الدقة الروحية في مراعاة شعوره وعواطفه وفي تواضعه الذي يخجل كل إخوانه وتلامذته وعارفيه. وكان الثائر الذي يتحسس مشاكل الظلم في الأمة فيما يتمثل في واقعها من حكم ظالم، واستعمار غاشم، وانحراف في دائرة التحرك السياسي، لدى المحاور السياسية التي تتحرك في خط الإنحراف وكان يعبر عن ذلك بشعره الثائر، الذي ينتهز كل فرصة جماهيرية ليخاطب الجماهير بآلامها ومشكلاتها وليحتج على كل القوى التي تتحدى طموحاتها وتأكل حريتها وعزتها واستقلالها.

    وكان الإنسان الذي عاش الإسلام فاكتشف عظمة أهل البيت من خلال الإسلام، ورأى من خلال خطهم الفكري والروحي والعلمي... فالتزم بهم خط ولاء ومحبة لا يقترب من الغلو، بل يتوازن في القاعدة الإسلامية المثلى، لما هو الحب للأشخاص على أساس أفكارهم وأعمالهم لا على أساس أشخاصهم، والتزم بنهجهم لأنه رأى فيه النهج الذي يستمد كل ملامح الفكر والشريعة والأسلوب من كتاب الله وسنة نبيه من أقرب طريق".

    أما صديقه ورفيق دربه البلاغي قال عنه:

    " يمتاز بإيمانه الصحيح، وبصدق تعبيره وبشدة تمسكه بالتعاليم الإسلامية في السر والعلانية، فله من دينه ما يردعهعن كل ما يتساهل فيه غيره ، واه من روعه وتقاه ما يرفعه إلى مصاف الأتقياء ةالزهاد الذين لا تبهرهم الدنيا بزبرجها وهو كذلك من المبرزين بين أهل الفضل بثقافته العلمية قبل أن يكون الشاعر الي يتسابق الجميع للإستماع إليه وهو ينشدروائعه عن ظهر قلب" . كان ذلك القول بالشاعر ولم يبلغ الأربعين من عمره ولم يدفعه النجاح والنبوغ، وخاصة بعد أن أصبح شاعر المدينة الذي تهفو إليه الأسماع، إلى الغرور أو التكبر على أترابه أو أقرانه أو غيرهم حيث يذكر صديقه المرحوم علي الخاقاني عن الشاب الشاعر عبد المنعم الفرطوسي ما يلي: " تكاد حين تراه لا تؤمن أنه احتفظ بشئ من العبقرية أو بجزء منها فهو مترسل لإلى أبعد حد في سيره وجلسته وتواضعه وحسن خلقه وميوعته الإجتماعية، الميوعة التي حدتبه أن يساير نفرأ تفوق عليه بجميع القوى والفضائل، ولكنه لوداعته وعدم شعوره بشخصيته أو بتعبير أصح نكرانه لذاته نكرانأ غريبأ حدا به إلى هذه المشايعة غير أنه في الوقت نفسه احتفظ باتزان نفسي وعِزَة وإباء جعلته محترمأ في نفوس الناس أو بالأخص في نفس من اطلع على غرائزه.

    إن شهادات أصدقاء الشاعر أعلاه تدلل بوضوح عال ٍ أنه كان تقيأ ومتدينأ حقيقيأ من خلال حبه لآل البيت ومتواضعأ لدرجة كبيرة، كما أنه كان مدرسأ بارزأ بالعلوم العربية ومبدعأ من الدرجة الأولى وثائرأ يتحسس مشاكل الظلم بدرجة أولى وشجاعة سوف نتعرف عليها بأحداث ومناسبات مدهشة حقأ.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 4:28 am